ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختيار {فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف} يعني: ابتلاهم الله بالجوع والخوف ، وظهر عليهم من سوء آثارهم ، وتغير الحال عليهم.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب} أي: الجوع {وَهُمْ ظالمون} أي: كافرون.
ثم إن أهل مكة بعثوا أبا سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما هذا البلاء ، هبك عاديت الرجال فما بال الصبيان والنساء؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحمل إليهم الطعام ، فحمل إليهم الطعام ، ولم يقطع عنهم وهم مشركون ، فقال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَلاً طَيّباً} أي: من الحرث ، والأنعام ، {حلالا طَيّباً} يعني: وهم خزاعة وثقيف {واشكروا نِعْمَتَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يعني: إن كنتم تريدون بذلك رضاء الله وعبادته.
فإن رضاه أن تستحلوا ما أحلّ الله ، وتحرّموا ما حرّم الله.
ثم بيّن المحرمات فقال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} أي: ذبح بغير اسم الله {فَمَنِ اضطر} أي: أجهد إليَّ بشيء مما حرّم الله عليه {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} في أكله أي: لا يأكل فوق حاجته.
ويقال: غير مفارق الجماعة ، ولا عاد عليهم {فَإِنَّ الله غَفُورٌ} فيما أكل {رَّحِيمٌ} حين رخص له في أكل الميتة عند الاضطرار.
ثم قال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب} أي: لا تقولوا يا أهل مكة فيما أحللت لكم {هذا حلال} على الرجال ، {وهذا حَرَامٌ} على النساء.
ويقال: في الآية تنبيه للقضاة ، والمفتين ، كي لا يقولوا قولاً بغير حجة وبيان.