وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي استسلم العابد والمعبود، وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد، وذلوا واستسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [السجدة 32/ 12] . وقال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [مريم 19/ 38] أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ. وقال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه 20/ 111] أي خضعت وذلت واستسلمت.
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي وذهب عنهم افتراؤهم بنسبة الشركاء لله، وأنها نصراء وشفعاء لهم، كما حكى تعالى عنهم: وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس 10/ 18] وذلك حين كذبوهم وتبرؤوا منهم.
وبعد ذكر وعيد الذين كفروا الضالين، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد غيره عن سبيل الله، من الضالين المضلين، فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا ..
أي الذين جحدوا النبوة وأشركوا بالله وكفروا بأنفسهم وحملوا غيرهم على الكفر، وصدوا عن سبيل الله، وهو الإيمان بالله ورسوله، يضاعف الله عقابهم، كما ضاعفوا كفرهم، فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر، فاستحقوا عذابين:
عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإفساد، والصد عن سبيل الله، واتباع طريق الحق والإسلام، كقوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام 6/ 26] أي ينهون الناس عن اتباع محمد، ويبتعدون هم منه أيضا.
بِما كانُوا يُفْسِدُونَ أي هذه الزيادة من العذاب بسبب الإفساد والصد.
وهذا دليل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال، فقد عظم عذابه، فكذلك إذا دعا إلى الدين الحق واليقين، فقد عظم قدره عند الله تعالى.
والآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف 7/ 38] .