الحياة الدنيا جبالها وسماءها وأرضها وقمرها وأفلاكها ونجومها ورياحها وحيوانها
ونباتها نعم نفع ودفع رحمة منه وفضلاً، ليس كذلك أهل النار - أعاذنا الله الرحيم
برحمته منها - لا يسخر لهم شيء مما فيها، ولا مما كان لهم قبل في الدنيا مسخر،
بل يسلط عليهم أشد التسليط، وأبعده من الرفق والرحمة يأتيه الموت من كل
موجود منها لو كان ميتًا.
يقول الله - عز وجل - لهم في الدنيا: (قل) يا محمد (تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30) .
ثم قال عز من قائل: (كذَلكَ) الكاف للتشبيه، والمشبه به ما تقدم
ذكره من النعم والإنعام بمنِّه؛ أي؛ كما أنعم عليكم يا أهل الإيمان بذلك في
الدنيا كذلك (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) بالشكر له (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) ،
فإنكم إن أسلمتم تسلمون غدًا في الدار الآخرة من العذاب،
قرأ بذلك ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - بفتح اللام والتاء، كذلك قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أسلم تسلم".
ثم قال عز من قائل: (فَإِنْ تَوَلَّوْا ...(82) . يعني: عن الإسلام(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
الْمُبِينُ)يقول عز من قائل: من تولى وكفر فلا يحزنك شأنه فإنه يحرم
الجنة، ويكون مصيره إلى النار.
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ...(83) . إنها لله (ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا) يضيعون شكرها
وينسبونها إلى ما سواه، قد استقر في قلوبهم معرفة يجدونها في جُدر قلوبهم، لكن
رازقهم من السَّمَاوَات والأرض وخالقهم هو الله جل ذكره، وإن ما بهم من نعمة في
أنفسهم وفي سواهم فمن الله، ثم عن هذه الحقيقة يؤفكون.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(84)
يقال: شاهد عدل وشاهد زور.
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ
رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).
وقال: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) .