وقصور تكون سكنًا حقًّا لساكنيها، وودًّا على سبيل النشء والبون كما بين دار الدنيا
ودار القرار وبذلك يتم النعمة بها والسرور لأجلها.
(وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ)
عدد عليهم نعمه بما متعهم به وسخره لهم من الأنعام ومنافع بها، ومن بيوت
معرشة وأخبأ هذه للسكنى وإقامتهم، وهذه للترحال والحفوف، والأثاث: متاع
المنزل والبيت والكسوة (إِلَى حِينٍ) أي: إلى الموت، فالمتاع بها هو
في طول مدة بقائهم في الدنيا كل على مقدار توسسة الرزق، وتقديره كما قال:
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36) . أي: إلى حين تخرجون
منها إلى غيرها تستدفئون فيها من البرد، وتستدفعون بها وهج الحر - وغير ذلك من
المكاره الواردة عليهم من فيح جهنم، أعاذنا الله الرحيم برحمته منها.
ويعرض بذكره البيوت والسكن إليها، والبيوت التي هي للظعن بقصور من
ذهب فيما هنالك أو فضة مِلاطها المسك برزت بمقاصير وقباب من الدر والياقوت
في رياض الجنات، أضواء أجوائها من نور العرش، أزواجهم فيها الحور الحسان،
وزوارهم الملائكة الكرام، وخدمهم الوصائف والولدان، يحبرون فيها ويكرمون
تحيتهم فيها (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) . فهذه نعم نفع ودفع يمتعون
فيها وبها إلى حين ينقلبون إلى تلك أو بدار لا موت فيها ولا سكنًا ولا خير يلقونه،
لا يستقرون فيها على أرض أبدًا ولا تظلهم سماء فيها أبدًا، ولا يذوقون لذيذ
الشراب والطعام أبدَا، ولا تفارقهم آلام أنواع العذاب والجوع والعطش أبدًا لا إلى
حين، بل إلى أبد الأبد.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله جل وعز: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ
بَأْسَكُمْ ... (81) السرابيل اسم يقع على الملبس القميص والدروع ونحو
ذلك: المراد الأول بهذا الخطاب وهو أعلم بما ينزل: الإعلام بأنه سخر لنا في هذه