قَالَ بَعْضُهُمْ: هَؤُلَاءِ كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، وهو كقوله: قوله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) . وكقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ...) الآية: أخبر أنهم يحملون أوزارهم، وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) ؛ بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ؛ إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زِيد لهم سعيزا؛ كقوله: (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، وقوله: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) ؛ فذلك هو الزيادة في العذاب.
ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبدًا؛ فيزداد لهم عذابًا بما كان لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساوٍ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما كان منهم من المساوي؛ كقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ) ؛ مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (زِذنَاهُم عَذَابًا ضِعفا بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) ، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم لا انقطاع له. وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89)