فصل: لم يتعرض لهذه الآية أكثر المفسرين، ومن تعرض منهم لها ألحقها بالأول، وقد وقفت في التفسير الكبير المنسوب للإمام أبي الفضل بن الخطيب، وقد تعرض لهذه الآية فأورد مأخذ الإمامية بأن كل عصر لا يخلو من إمام معصوم، وذكر تخريج الآية عندهم، ثم محله، واتبع بأن قال: فثبت أنه لابد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم، ثم حكى عن أبي بكر الأصم أن المراد بالشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أجزاء الإنسان تشهد عليه، وهي: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان، قال والتدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد: أنه من أنفسهم، وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم وذكر أن القاضي أجاب عن هذا من وجوه: الأول أنه تعالى قال: (شهيد ) ) فيجب أن يكون غيرهم، والثاني أنه من كل أمة فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنه من الأمة، هذا حاصل ما وقع في هذا التفسير، ولم يقع فيه تعرض لشيء من ألفاظ الآية، وتنزيل هذه المآخذ على الآية، وأخذها من أبعد شيء، وقد ذكرت في ذلك منزلاً عن الآية ما أراه الأولى في المراد بها، والله أعلم.
وأما قول الإمامية: إنه لا بد في كل عصر وقرن من إمام معصوم يشهد عليها في القيامة فباطل، وقد كفانا وجه فساده من تقدم، وقول الأصم بعيد لما قاله القاضي، وأما ما اعتمده أبو الفضل فبعيد أيضاً، فيه ما يشبه الصغو إلى قول الإمامية، وقد ورد في الصحيح أن الرسل هم الذين يشهدون على أممهم، وعلى ذلك حمل المفسرون قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء: 41) ، ولا فرق بين هذه الآي، والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 306 - 308}