ولما كان قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) (النحل: 89) حاصلاً منه تعقيبه ، عليه السلام ، وتحقيق كونه الشهيد على أمته ، وكونه من أنفسنا ورد ما قبله محرراً فيه ذلك الغرض من تحقيق ذلك الحكم ، من أن كل نبي قبله إنما كان من أنفس القوم المرسل إليهم ذلك الرسول لا من غيرهم ، وهو الشهيد عليهم ، وحقق ذلك في الثانية بما يحرزه حررف الوعاء الذي هو (( في ) )ويقتضيه من استحكام الإخبار بكون الشهيد من نفس الأمة ، لأن قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) يحتمل أن يراد به أن يكون منهم في مذهب أو جامع بينهم وبينه ، من غير أن يكون من أنفسهم ، أما قوله: (فِي كُلِّ أُمَّةٍ) فأنص في الاتصال واللزوق ، لاسيما بما اتبع به من قوله: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، فطوبق بين المتقابلين من قوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (النحل: 89) وقوله: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) (الحل: 89) ، فقد وضح ما باينت هذه الآية (به الآية) ، وبانت جلالة هذا النظم العجيب ، وأن ما توهم تكراره ليس بتكرار ، إذا كان مقصود ما أعيد مما (تقدم) ذكره الشهيد لما بني عليه. فتحصل من هذه الآية العظيمة جليل الاعتناء بهذا النبي الكريم
صلى الله عليه وسلم تأنيسه ، مالآية في قوله تأنيساً للأمة وإعلاماً بعظيم مكانته صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: 128) فهذا - والله أعلم - فصل ما بين الآيتين ، وقد بان فيه التناسب ، وجلالة النظم ، وحسن الالتئام ، والله أعلم بما أراد.