وإن كلام المرء فيغير كنهه... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقد بينا هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في مواضع منه. والترتيب ب"ثمَّ"فيقوله في هذه الآية الكريمة: {لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} على قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} لأجل الدلالة على ان ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم.
قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} .
اعلم أولاً - أن استعتب تستعمل في اللة بمعنى طلب العتبى. أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره. تستعمل أيضاً في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى. أي رجع إلى ما يجب العاتب ويرضى ، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} وجهين من التفسير متقاربي المعنى.
قال بعض أهل العلم: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا تطلب منهم العتبى ، بمعنى لا يكلفون ان يرضوا ربهم ، لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا.
وقال بعض العلماء: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي يعتبون ، بمعنى يزال عنهمالعتب ، وعطون العتبى وهي الرضا.
لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين. وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} [فصلت: 24] أيى وإن يطلبوا العتبيى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من المعتبين. بصيغة اس المفعول: أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم. لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
أمن المنون وريبه تتوجع... والدهر ليس بمعتب من يجزع
أي لا يرجع الدهل إلى مسرة من جزع ورضاه. وقول النابغة:
فإن كنت مظلوماً فعبد ظلمته... وإن كن ذا عتبى فمثلك يعتب