{وأوحى رَبُّكَ إلى النحل} قيل أي نحل الأرواح {أَنِ اتخذى مِنَ الجبال} أي جبال أنوار الذات {بُيُوتًا} مقار لتسكنين فيها {وَمِنَ الشجر} أي ومن أشجار أنوار الصفات {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] أنوار عروش الأفعال {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات} أي من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ونور بهاء الأنوار الذاتية وأزهار الأنوار الأفعالية {فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ} وهي صحارى قدسه تعالى وبراري جلاله جل شأنه {ذُلُلاً} منقادة لما أمرت به {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} وهو شراب معرفته تعالى بقدم جلاله وعز بقائه وتقدس ذاته سبحانه {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} باختلاف الثمرات {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ} [النحل: 69] لكل مريض المحبة وسقيم الألفة ولديغ الشوق ، وقيل: الإشارة بالنحل إلى الذين هم في مبادئ السلوك من أرباب الاستعداد ، ومن هنا قال الشيخ الأكبر قدس سره في مولانا ابن الفارض قدس سره حين سئل عنه: نحلة تدندن حول الحمى أمرهم الله تعالى أولاً أن يتخذوا مقار من العقائد الدينية التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات ومن العبادات الشرعية التي هي كالشجر في التشعب ومن المعاملات المرضية التي هي كالعروض في الارتفاع ثم يسلكوا سبله سبحانه وطرقه الموصلة إليه جل شأنه من تهذيب الباطن والمراقبة والفكر ونحو ذلك متذللين خاضعين غير معجبين ، وفي ذلك إشارة إلى أن السلوك إنما يصح بعد تصحيح العقائد ومعرفة الأحكام الشرعية ليكون السالك على بصيرة في أمره وإلا فهو كمن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء ، ومتى سلك على ذلك الوجه حصل له الفوز بالمطلوب وتفجرت ينابيع الحكمة من قلبه وصار ما يقذف به قلبه كالعسل شفاء من علل الشهوات وأمراض النفس لا سيما مرض التثبط والتكاسل عن العبادة وهو المرض البلغمي.