إنّ السماءَ تُرْجِعُ بُخارَ الماءِ أمطاراً، وتُرجِعُ الأمواجَ الكهرطيسيّةَ بثّاً، وترجِعُ الغازاتِ في تقلّباتها إلى ما كانت عليه، وكلّ ما في السماءِ يرجعُ إلى مكانِه الأوّلِ، لأنّه يدورُ ويسيرُ، ويتحرّكُ في مسارٍ دائري أو بيْضَويٍّ، فحينما يقولُ ربُّنا عز وجل بإيجازٍ عجيبٍ: {والسمآء ذَاتِ الرجع} معنى ذلك أنّ هذا الكلامَ قرآنٌ مِن عند خالقِ الأكوان، وتشعرُ أنّ هذا وصْفُ الله تعالى، وصفُ الخالقِ، ووصْفُ الصانِعِ.
والشيءُ الآخرُ، أنّك لو أردْتَ أن تصِفَ الأرضَ بِصِفةٍ شاملةٍ جامعةٍ مانعةٍ لم تَقْدِرْ، وقد وَصَفَها اللهُ بوصفٍ جامعٍ مانعٍ فقال: {والأرض ذَاتِ الصدع} .
إنّ القاراتِ كانت متَّصلةً فتصدَّعَتْ، لأنّ الصُّخور تتصدَّعُ، والأحجارَ تتصدَّعُ، بل إنّ أدقَّ الجزئيّاتِ تتصدَّعُ، فإذا ذهبْتَ لِتَصِفَ الأرضَ بصِفَةٍ ثابتةٍ منذ أنْ خَلَقَها اللهُ، وحتى نهايةِ الحياةِ قلت: إنَّها تتصدّع: {والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع} ، فكيف هو الصَّدْعُ إذاً؟
الأرضُ طبقاتٌ، أَمْسِك بيْضةً، هناك القِشرةُ الكِلسيّةُ، والقِشْرةُ الرقيقةُ، وبياضُ البيضةِ، وصفارُها، غيرَ أنّ أقسى هذه الطبقاتِ الطبقاتُ الخارجيّةُ، وكلّما نَزَلْنا إلى أعماقِ الأرضِ تصبحُ هذه الطبقاتُ أقلَّ صلابةً، إلى أنْ تصبحَ لَزِجةً، إلى أنْ تصبحَ مائعةً مضطربةً، وهذه النظريّةُ أصبحَتْ حقيقةً، فكلّما اتَّجَهنا نحو بطنِ الأرضِ ضَعُفَتِ الصلابةُ، وارتفعَتِ الحرارةُ، أمّا حول مركزِ الأرضِ فثمّةَ اضْطرابٌ عجيبٌ لِمَائِعٍ ناريٍّ، وقد أشارَ القرآنُ إلى ذلك، قال تعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [المُلك: 16] .