فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 251559 من 466147

وشرح ذلك فيما نقله المفسرون أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب حرث. فقال أحدهما: إن هذا دخلت غنمه بالليل إلى حرثي فأهلكته وأكلته ولم تبق لي فيه شيئا، فقال داود عليه السلام: الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه، فلما خرجا من عنده مرا على سليمان عليه السلام، وكان عمره إذ ذاك على ما نقله أئمة التفسير إحدى عشرة سنة، فقال لهما: ما حكم بينكما الملك؟ فذكرا له ذلك. فقال: غير هذا أرفق بالفريقين. فعادا إلى داود عليه السلام وقالا له ما قاله ولده سليمان عليه السلام فدعاه داود عليه السلام وقال له: ما هو الأرفق بالفريقين؟ فقال سليمان: تسلم الغنم إلى صاحب الحرث. - وكان الحرث كرما قد تدلت عناقيده في قول أكثر المفسرين - فيأخذ صاحب الكرم الأغنام يأكل لبنها وينتفع بدرها ونسلها، ويسلم الكرم إلى صاحب الأغنام ليقوم به، فإذا عاد الكرم إلى هيئته وصورته التي كان عليها ليلة دخلت الغنم إليه سلّم صاحب الكرم الغنم إلى صاحبها وتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته، فقال له داود: القضاء كما قلت. وحكم به كما قال سليمان عليه السلام.

وفي هذه القصة نزل قوله تعالى: {وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ 78 فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً}

فهذه المعرفة والدراية لم تحصل لسليمان بكثرة التجربة وطول المدة، بل حصلت بعناية ربانية وألطاف إلهية، وإذا قذف الله تعالى شيئا من أنوار مواهبه في قلب من يشاء من خلقه اهتدى إلى مواقع الصواب، ورجح على ذوي التجارب والاكتساب في كثير من الأسباب، ويستدل على حصول كمال العقل في الرجل بما يوجد منه وما يصد عنه، فإن العقل معنى لا يمكن مشاهدته، فإن المشاهدة من خصائص الأجسام.

فأقول: يستدل على عقل الرجل بأمور متعددة منها:

ميله إلى محاسن الأخلاق وإعراضه عن رذائل الأعمال، ورغبته في إسداء صنائع المعروف وتجنبه ما يكسبه عارا ويورثه سوء السمعة.

وقد قيل لبعض الحكماء: بم يعرف عقل الرجل؟

فقال: بقلة سقطه في الكلام، وكثرة إصابته فيه. فقيل له:

فإن كان غائبا، فقال؛ بإحدى ثلاث إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته، فإن رسوله قائم مقام نفسه، وكتابه يصف نطق لسانه، وهديته عنوان همّته، فبقدر ما يكون فيها من نقص يحكم به على صاحبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت