ونعلم أن السبيل تُوصِّل بين طرفين (من وإلى) وكل نقطة تصل إليها لها أيضاً (من وإلى) وقد شاء الحق سبحانه ألاَّ يقهرَ الإنسانَ على سبيل واحد ، بل أراد له أنْ يختار ، ذلك أن التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مِمَّا يخدم الإنسان .
أما الإنسان فقد خلق له قدرة الاختيار ، ليعلم مَنْ يأتيه طائعاً ومَنْ يعصي أوامره ، وكل البشر مَجْموعون إلى حساب ، ومَن اختار طريق الطاعة فهو مَنْ يذهب إلى الله مُحباً ، ويُثبِت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الاختيار ، لكن لو شاء أنْ يُثبِتَ لنفسه طلاقة القَهْر لخَلقَ البشر مقهورين على الطاعة كما سخَّر الكائنات الأخرى .
والحق سبحانه يريد قلوباً لا قوالب ؛ ولذلك يقول في آخر الآية:
{وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9] .
وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وفي آية أخرى يقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] .
إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن ، كما هدى كُلَّ الكائنات الأخرى ، ولكنه يريد قلوباً لا قوالبَ .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {هُوَ الذي أَنْزَلَ ...} .
وقوله:
{أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً ...} [النحل: 10] .
يبدو قولاً بسيطاً ؛ ولكن إنْ نظرنا إلى المعامل التي تُقطِّر المياه وتُخلِّصها من الشوائب لَعلِمْنَا قَدْر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر .
والسماء كما نعلم هي كل ما يعلونا ، ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار ، فيتكوَّن البخار الذي يتصاعد ، ثم يتكثَّف ليصيرَ مطراً من بعد ذلك ؛ وينزل المطر على الأرض .