قوله عز وجل: {وَهُدًى وَرَحْمَةً} معطوفان على موضع {لِتُبَيِّنَ} ، كأنه قيل: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانًا وهدى ورحمة، أي: للبيان والهدى والرحمة، لأن من شرط المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل، وإنما دخل اللام في قوله: {لِتُبَيِّنَ} لأنه فعل المخاطب، لا فعل المُنَزِّل، وعطف عليه ما هو فعل المنزل على تقدير ما ذكر آنفًا، فاعرفه.
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) } :
قوله عز وجل: {نُسْقِيكُمْ} قرئ: بضم النون من أسقى، وبفتحها من سقى، وقد مضى الكلام عليهما فيما مضى، والمعنى: نبيح لكم شرب ما في بطونه، فعبر عن الإباحة بذلك.
وقوله: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} (الأنعام) : يحتمل أن يكون جمع نَعَمٍ، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع كنَعَم، كذا ذكر صاحب الكتاب - رحمه الله - الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، قال: وأما أفعال فقد تقع للواحد، من العرب من يقول: هو الأنعام، وقال أبو الخطاب: سمعت العرب يقولون: هذا ثوب أكباش، انتهى كلامه.
فإذا فهم هذا فقوله جل ذكره هنا: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} ، وفي"المؤمنين": {مِمَّا فِي بُطُونِهَا} ، فالتذكير على إرادة الجمع أو الجنس، والتأنيث على معناهما، وما عداهما فهو من التعسف والتكلف، فاعرفه.
و (من) للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونه.
وقوله: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ} يحتمل أن يكون متعلقًا بـ {نُسْقِيكُمْ} ، وأن يكون في موضع نصب على الحال، إما من المنوي في الظرف وهو {فِي بُطُونِهِ} ، أو من قوله: {لَبَنًا} لتقدمه عليه، أي: نسقيكم لبنًا من بين فَرْثٍ، وهو سِرجين الكَرِش.
و {خَالِصًا سَائِغًا} : صفتان للبن، أي: صافيًا لا شوب فيه، وسائغًا، أي: يسوغ في الحلق بسهولة.