وقصُر سلطانه عليهم غِبَّ نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليلٌ على أنْ لا واسطة في الخارج بين التوكلِ على الله تعالى وبين تولي الشيطان، وإن كان بينهما واسطةٌ في المفهوم، وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظمُ في سلك مَنْ يتولّى الشيطانَ مِن حيثُ لاَ يحتسبُ، إذ به يتم التعليلُ، ففيه مبالغة في الحمل على التوكل، والتحذيرِ عن مقابله، وإيثارُ الجملة الفعليةِ الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرارِ التجدّدي، كما أن اختيارَ الجملةِ الاسميةِ في الثانية للدلالة على الثبات، وتكريرُ الموصولِ للاحتراز عن توهم كونِ الصلةِ الثانية حاليةً مفيدةً لعدم دخول غيرِ المشركين من أولياء الشيطانِ تحت سلطانِه، وتقديمُ الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارَنةِ بينها وبين ما يقابلها من التوكلِ على الله تعالى، ولو رُوعيَ الترتيبُ السابق لانفصل كلٌّ من القرينتين عما يقابلها.
{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) }
{مَا عَمِلَتْ} أي جزاءَ ما عمِلت بطريق إطلاقِ اسمِ السببِ عَلى المسبَّب إشعاراً بكمال الاتصالِ بين الأجزية والأعمال، وإيثارُ الإظهار على الإضمار لزيادة التقريرِ وللإيذان باختلاف وقتَي المجادلةِ والتوفيةِ وإن كانتا في يوم واحد.
{فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) }
{فَكَفَرَتْ} أي كفرَ أهلُها {بِأَنْعُمِ الله} والمراد بها نعمةُ الرزقِ والأمن المستمرِّ وإيثارُ جمعِ القلةِ للإيذان بأن كفرانَ نعمة قليلة حيث أوجب هذا العذابَ فما ظنك بكفران نِعمٍ كثيرة.