«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ} وكل عبدٍ فهو مملوك وغير قادر على التصرُّف؟
فالجَوابُ: ذكر المملوك ليحصل الامتياز بينه وبين الحرِّ؛ لأنَّ الحر قد يقال: إنه عبد الله، وأما قوله: {لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ} للتَّمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون؛ لأنهما يقدران على التصرُّف.
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) }
خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء.
ثم قال تعالى -: {وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة} والمعنى: أن النَّفس الإنسانية كانت في أول الخلقةِ خالية عن المعارف والعلوم ثم إن الله تعالى أعطاها هذه الحواس؛ لتستفيد بها المعارف والعلوم، وتحقيق الكلام فيه أن يقال: التَّصوُّرات والتَّصديقات إمَّا أن تكون كسبيَّة أو بديهيَّة؛ والكسبيَّة لا يمكن حصولها إلا بواسطة تركيبات البديهيَّات، فلا بد من سبق العلوم البديهيَّة.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه العلوم البديهية إمَّا أن يقال: كانت حاصلة منذ خلقنا، أو ما كانت حاصلة؛ والأول باطل؛ لأنا بالضرورة نعلمُ أنَّا حين كنَّا جنيناً في رحم الأمِّ ما كنَّا نعرفُ أن النَّفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنَّا نعرف أن الكلَّ أعظم من الجزء.
وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنَّها ما كانت حاصلة، وحينئذٍ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكلُّ ما كان كسباً فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وذلك محال؟