والقول الثاني: - وعليه الجماهير: أنه سأل الوفاة على الإسلام، ولم يتمن الموت في الحال. قال الحسن: إنه عاش بعد هذه الدعوة سنين كثيرة. وعلى هذا القول يكون معنى الآية: توفني إذا توفيتني على الإسلام، فهو طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام، وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال. قال بعض العلماء: وكلا القولين محتمل؛ لأن اللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب، وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاد له ولا زوال. {وَأَلْحِقْنِي} يا رب {بِالصَّالِحِينَ} ؛ أي: بآبائي المرسلين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك في النعمة والكرامة، فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك، وهذا الدعاء بمعنى ما جاء في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قال يوسف ذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلمًا؟
فالجواب: إما أنه حصل له حالة غلب عليه الخوف فيها، فذهل عن ذلك العلم، أو أنه دعا بذلك مع علمه إظهارًا للعبودية، والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليمًا لغيره، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى. اهـ."كرخي". انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 14/ 100 - 130} ...