وأيضاً فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضاً بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى، ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله: {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو} صريح في أن الكل من الله تعالى.
ثم قال: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول.
ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم} أعني أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله، حاكم في قضائه، حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 18 صـ 167 - 172}