فأنت تراه قد استدل على زراعة القمح سبع سنين دأبا بالسنبلات السبع الخضر فهي إشارة إِلى السنوات السبع الخصيبة, واستدل على تخزين القمح في سنابله سبع سنين بالسنبلات السبع اليابسات، واستدل على أن السنوات السبع الأخيرة ستكون جدباء وأنه يجب الاحتياط. لها بتخزين الطعام، استدل على ذلك بالبقرات السبع العجاف التي أَكلت البقرات السبع السمان كما سيأتي ببانه، ويبدو أن تخزين القمح في سنابله لمدة طويلة تصل إلى سبع سنين لم يكن معروفًا لدى قدماء المصريين، فقد كانوا يزرعون لكل عام ولا يحرمون من فيضان النيل سبع سنين متتابعة فلذا أرشدهم يوسف إِلى هذه الطريقة المثلى في التخزين لمدة طويلة، ولا عجب في أن يخبرهم بها
يوسف عليه السلام مع أنه لم يألف مثل ذلك, فقد علمه ربه علوما كثيرة, وحسبك دليلا على ذلك قوله لصاحبي السجن: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} .
وقد قال القرطبي تعليقًا على هذه الآية ما يلي:
هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأُمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة، ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إِلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله - عز وجل - ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه الخ.
ثم شرع يوسف يبين بقية التأويل فقال:
48 - {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} :