الثاني: كيف اعترضوا على أبيهم وهم يعلمون أنه نبيّ وهم مؤمنون به؟ وأجيب: بأنهم وإن كانوا مؤمنين بنبوّته لكن جوّزوا أن يكون فعله باجتهاد ، ثم أنّ اجتهادهم أدّى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد لكونهم أكبر سناً وأكثر نفعاً وغاب عنهم أنّ تخصيصهما بالبرّ كان لوجوه: أحدها: أنّ أمّهما ماتت ، ثانيها: أنه كان في يوسف من آثار الرشد والنجابة ما لم يجده في سائر أولاده ، ثالثها: أنه وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدمة أعلى وأشرف مما كان يصدر عن سائر أولاده ، والحاصل أنّ هذه المسألة كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر.
الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال عن رعاية مصالح الدنيا والبعد عن طريق الرشد لا الضلال في الدين. الرابع: أنّ قولهم: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} محض حسد ، والحسد من أمّهات الكبائر لا سيما وقد أقدموا بسبب ذلك الحسد على أمورٍ مذمومة منها قولهم:
{اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً} ، أي: بحيث يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه ، ومنها القاؤه في ذل العبودية ، ومنها أنهم أبقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم ، ومنها إقدامهم على الكذب وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوّة ؟
أجيب: بما تقدّم أنّ ذلك كان قبل النبوّة ، وقرأ نافع وابن كثير وهشام والكسائي بضم التنوين من مبين في الوصل ، والباقون بالكسر ، فإن وقف القارئ على مبين وامتحن في الابتداء يبتدئ بالضم للجميع ، وقولهم: {يخل لكم وجه أبيكم} جواب الأمر ، أي: يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد ، وقولهم: {وتكونوا} مجزوم بالعطف على يخل لكم أو منصوب بإضمار أن {من بعده} ، أي: قتل يوسف أو طرحه {قوماً صالحين} بأن تتوبوا إلى الله تعالى بعد فعلكم فإنه يعفو عنكم ، وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم.