{قال قائل منهم} هو يهوذا وكان أحسنهم رأياً فيه ، وهو الذي قال: {فلن أبرح الأرض} (يوسف ،) وقيل: روبيل وكان أكبرهم سناً {لا تقتلوا يوسف وألقوه} ، أي: اطرحوه {في غيابت الجب} ، أي: في أسفله وظلمته ، والغيابة كل موضع ستر شيئاً وغيبه عن النظر قال القائل:
*فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي ** فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها ، والجب البئر الكبيرة التي ليست مطوية سميت جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء غير القطع من طيّ أو ما أشبهه ، وإنما ذكر الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين. قال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمه الله تعالى رحمة بهم ولو فعلوا لهلكوا أجمعين ، واختلف في موضع ذلك الجب ، فقال قتادة: هو ببيت المقدس وقال وهب: هو بأرض الأردن. وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقرأ نافع بألف بين الباء والتاء على الجمع والباقون بغير ألف على التوحيد {يلتقطه} ، أي: يأخذه {بعض السيارة} جمع سيار ، أي: المبالغ في السير ، وذلك الجب كان معروفاً يرد عليه كثير من المسافرين ، فإذا أخذوه ذهبوا به إلى ناحية أخرى فنستريح منه {إن كنتم فاعلين} ، أي: ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك ولما أجمعوا على التفريق بين يوسف وأبيه بضرب من الحيل.
{قالوا} إعمالاً للحيلة في الوصول إليه مستفهمين على وجه التعجب ؛ لأنه كان أحس منهم السوء فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و} الحال {إنا له لناصحون} ، أي: قائمون بمصلحته وحفظه.
تنبيه: اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحرّكة واتفقوا أيضاً على إدغامها مع الإشمام.