الْقُدْوَةِ ، وَمَا كَانَ إِلَّا صَادَقَ الْفِرَاسَةِ (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَالتَّسْخِيرِ جَعَلْنَا لِيُوسُفَ مَكَانَةً عَالِيَةً فِي أَرْضِ مِصْرَ ، كَانَ هَذَا الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْعَزِيزِ مَبْدَأَهَا ؛ لِيَقَعَ لَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ فِي السِّجْنِ مَا يَقَعُ مِنَ التَّجَارِبِ ، وَالِاتِّصَالِ بِسَاقِي الْمَلِكِ فَيَكُونُ وَسِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) كَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ مَا يَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْغَايَةِ مِنْ هَذَا التَّمْكِينِ ، وَقَوْلُهُ لِلْمَلِكِ: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) 55 وَقَوْلُ الْمَلِكِ لَهُ: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) 54 ، (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ وَيُقَدِّرُهُ ، فَلَا يُغْلَبُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ يَقَعُ كَمَا أَرَادَ ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ لِيُوسُفَ مِنْ إِخْوَتِهِ وَمِنْ مُسْتَرِقِّيهِ وَبَائِعِيهِ ، وَمِنْ تَوْصِيَةِ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِامْرَأَتِهِ بِإِكْرَامِ مَثْوَاهُ مِمَّا وَقَعَ لَهُ مَعَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَفِي السِّجْنِ ، قَدْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ مَا أَرَادَهُ - تَعَالَى - لَهُ مِنْ تَمْكِينِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِ يُوسُفَ ، فَهُوَ يُدَبِّرُهُ وَيُلْهِمُهُ الْخَيْرَ وَلَا يَكِلُهُ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ وَاتِّبَاعِ هَوَاهُ (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أَنَّهُ - تَعَالَى - غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ بَلْ يَأْخُذُونَ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ