وقالت الحكماء في هذه الآية: {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ} حيث أمره يعقوب ألاّ يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قَصّ ، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملِكاً وسجدوا بين يديه ، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم ، وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة ، فقال: {يا أسفى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين ، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروّا عليه حتى أقرّوا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة ، وقالوا لأبيهم:"إنَّا كُنَّا خَاطِئِين"ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص (فغلب أمر الله) فلم ينخدع ، وقال:"بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً"ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم دَبَّرت امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته ، فغلب أمر الله حتى قال العزيز: {واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين} [يوسف: 29] ، ثم دَبَّر يوسف أن يتخلّص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي ، ولبِث يوسف في السجن بِضع سنين.
قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}
"أَشُدَّهُ"عند سيبويه جمع ، واحده شِدّة.
وقال الكسائي: واحده شَدٌّ ؛ كما قال الشاعر:
عَهْدِي به شَدَّ النَّهارِ كأنَّمَا ...
خُضِبَ اللَّبانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ
وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب ؛ ومعناه استكمال القوّة ثم يكون النقصان بعد.
وقال مجاهد وقَتادة: الأَشُدّ ثلاث وثلاثون سنة.
وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأَشُدّ بلوغ الحُلُم ؛ وقد مضى ما للعلماء في هذا في"النساء"و"الأنعام"مستوفى.