وهذا الغيب المطلق يختلف عن الغيب المقيّد الذي له مقدمات ؛ ما إن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سرٍّ من أسرار الكون .
والحق سبحانه هو القائل:
{مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه ؛ وجعل الله تعالى لكل مستور منها ميلاداً ، فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلاد ؛ والكهرباء كان لها ميلاد ؛ واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد ، وكل مُكْتَشف ومُخْتَرع له ميلاد ، وتتوالى مواليد الغيب مستقبلاً ، وفي ميلادها إيمان اليقين بمن أخفاه وأظهره ، وهو الله الحكيم .
وقد يأتي هذا الميلاد بكشف وبحث ؛ وقد يُظهره الله بدون بَحْث ؛ أو يُظهره صدفة ؛ مثلما أظهر قانون الطفو النابع من قاعدة"أرشميدس"ومثلما أظهر الحق سبحانه قانون الجاذبية صدفة ؛ أي: أنه سبب من الأسباب جعل عبداً من عباده يبحث في شيء ، فيظهر له شيء لم يكن يبحث عنه ؛ ولذلك نسب الحق سبحانه الإحاطة له سبحانه .
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ} [هود: 123] .
ولم يقل:"إليه يَرْجع الأمر كله"، لأنه سبحانه ضبط كل مخلوق على قدر .
ولله المثل الأعلى: كما تضبط أنت المنبه على ميقات معين ، وكما يضبط المقاتل القنبلة لتنفجر في توقيت معين ، والكون كله مُرتَّب على هذا الترتيب .
والله سبحانه القائل:
{إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .
فكل شيء إما يرجع إلى الله في التوقيت الذي شاءه الله .