يَقْرَأُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ السُّورَةَ فَلَا يَكَادُونَ يَفْطِنُونَ لِمَا فِيهَا مِنْ بَيَانِ فَضَائِلِ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يَجِبُ التَّأَسِّي بِهَا ، وَمَسَاوِئِ الْكُفَّارِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُ الْأَنْفُسِ مِنْهَا ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهُمْ تَفْسِيرَهَا فِي أَكْثَرِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمُتَدَاوَلَةِ كَانَتْ أَشْغَلَ شَاغِلٍ لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَبَاحِثِ الْفُنُونِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمُجَادَلَاتِ الْكَلَامِيَّةِ ، وَالْأَسَاطِيرِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ . وَمَنْ يَهُمُّهُ الْعِلْمُ الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى تَهْذِيبِ نَفْسِهِ صَارَ يَطْلُبُهُ مِنْ كُتُبِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ وَالتَّصَوُّفِ دُونَ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ هُوَ الَّذِي قَلَبَ طِبَاعَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ كُلِّهَا وَزَكَّى أَنْفُسَهَا وَسَوَّدَهَا عَلَى بَدْوِ الْعَالَمِ وَحَضَرِهِ مُنْذُ الْجِيلِ الْأَوَّلِ مِنْ إِسْلَامِهَا ، إِلَى أَنْ أَعْرَضُوا عَنْ هِدَايَتِهِ وَأَدَبِهِ اشْتِغَالًا بِفَلْسَفَةِ الشُّعُوبِيَّةِ وَآدَابِهَا ، أَوْ تَنَازُعًا فِي زِينَةِ الدُّنْيَا وَسُلْطَانِهَا ، فَكَانُوا يَبْعُدُونَ عَنِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالسِّيَادَةِ وَالْمُلْكِ بِقَدْرِ مَا يَبْعُدُونَ عَنْ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا .