وَعِنْدَ الْأُمَمِ الْمُتَدَيِّنَةِ كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ فِي أُصُولِ أَدْيَانِهَا وَآدَابِهَا يُعَزَّى بَعْضُهَا إِلَى الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ وَبَعْضُهَا إِلَى مَوَاعِظِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ سَلَفِهَا ، وَأَعْلَاهَا الْأَحَادِيثُ الشَّرِيفَةُ الْمُسْنَدَةُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوِيَتْ مَنْثُورَةً مُتَفَرِّقَةً ، ثُمَّ جُمِعَتْ فِي دَوَاوِينَ مُرَتَّبَةٍ ، فَمَا تَجِدُ مِنْ خَيْرٍ وَفَضِيلَةٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ فَهُوَ مِنْ تَأْثِيرِ اتِّبَاعِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَمَا حَفِظُوا وَفَقِهُوا مِنْهَا ، وَمَا تَجِدُ مِنْ شَرٍّ وَبَاطِلٍ فَهُوَ مِنْ فَلْسَفَةِ رُؤَسَاءِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَإِضْلَالِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْهَا ، أَوْ تَحْرِيفِهِمْ لَهَا .
وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ فِي أُسْلُوبِهِ ، وَلَا فِي مِنْهَاجِهِ وَتَرْتِيبِهِ ، وَلَا فِي تَرْبِيَتِهِ وَتَأْدِيبِهِ ، وَلَا فِي تَأْثِيرِهِ فِيمَا يَحْمَدُهُ وَيُرَغِّبُ فِيهِ ، وَلَا فِيمَا يَذُمُّهُ وَيَزْجُرُ عَنْهُ ، فِيهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُكَلَّفُونَ لِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَطْهِيرِهَا عَقْلًا وَنَفْسًا وَخُلُقًا ، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا تَصْنِيفًا وَوَصْفًا ، فَمَنْ تَلَاهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَتَدَبَّرَهُ ، وَجَدَ كُلَّ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ ، وَخَيْرٍ وَفَضِيلَةٍ ، وَبَرٍّ وَمَكْرَمَةٍ ، حَاضِرًا فِي نَفْسِهِ ، وَكُلَّ جَهْلٍ وَشَرٍّ كَانَ مُلْتَاثًا بِهِ أَوْ عُرْضَةً لَهُ كَأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِزًا كَثِيفًا ،