وأن الأسباب مربوطة بمسبباتها، وكل سبب يفضي إلى غاية، والأمور الدنيوية لا
يمنعها الله عن طلابها إذا أتوا البيوت من أبوابها، والتمسوا الرغائب من طرقها
وأسبابها، سواء كانوا مؤمنين أم كافرين، وإنما الإيمان شرط للمثوبة في العقبى
وكمال السعادة في الدنيا كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ
رَبِّكَ مَحْظُوراً (الإسراء: 20) . بهذا كان الدين الإسلامي سببًا في سعادة ذويه
وسيادتهم عند ما كانوا مهتدين بهديه ومتمسكين بحبله، لا بأسرار خفية وأمور
غير معقولة. لكن جهل المسلمين بتعاليم دينهم أفضى بهم إلى التفرق والانقسام
والميل مع الهوى، وجهلهم بحالة العصر زادهم عمهًا وحيرة في الدين والدنيا. ثم
لما اتصل بعض أمرائهم وحكامهم بالأوروبيين رأوا أنفسهم مضطرين إلى
مجاراتهم وموافقتهم، فقلدوهم عن غير بصيرة، فكانوا بذلك عونًا لهم على أنفسهم،
فازدادوا من الأمة بغضًا على بغض الظلم والفسق، وعجز العلماء والفقهاء عن
هدايتهم إلى تعاليم الدين الموافقة لروح العصر، لعدم وقوفهم على حالة العصر، على
أن الباحثين عن هذه التعاليم نفر قليل في كل قطر، ولا يكادون يتسامون إلى
مراتب الأمراء والسلاطين، والمتصدرون جهلاء وعن الإصلاح بُعداء،
الجماهير منهم مشغولون بالمباحث اللفظية وأساليب الكتب وخلاف الفقهاء،
والمدعون الإرشاد لا هم لهم إلا المفاخرة بالأنساب، ومناهضة بعضهم بعضاً حسدًا
وغواية، وخداع العامة بأنهم في قصورهم وأجدادهم في قبورهم متصرفون في
الأكوان! يُشقُون ويُسعدون ويُفقرون ويُغنون ويحلون ويعقدون ويحيون ويميتون
ويوم القيامة يشفعون فيشفعون كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ
عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (المطففين: 14 - 15) لأنهم مضلون يقولون على الله
الكذب وهم يعلمون.
فهؤلاء رؤساؤنا من الحكام والعلماء والمرشدين، هذه أحوالهم يشكو بعضهم
من بعض، ولا يهتم أحد منهم إلا بتحصيل رغائبه، ونكاية مُناصبه، وقد ضاعت
الأمة فيما بينهم: ضاع دينها بإهمال التعليم والإرشاد، وضاعت دنياها بترك العدل