الكتاب العزيز، كقوله تعالى {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105) وقوله تعالى {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47)
حقًّا قالوا، ولكن أكثرهم يلهج بالقول عن غير فهم ولا بصيرة، متوهمين أن في الدين
سرًّا روحانيًّا غير معقول، يمد الآخذين به بالنصر والقوة ويعطيهم الغلب
بالخوارق والكرامات!
ويقول الناظرون في سير الإنسان في زمانهم الحاضر والواقفين على تاريخه
في الزمن الغابر: إن ضعف الأمم وانحلالها، وهلاك الشعوب وانقراضها، وعزة
الدول وامتناعها، وسيادتها وارتفاعها، كل ذلك جارٍ على نواميس طبيعية، وسنن
إلهية، لا تغير ولا تحور ولا تبدل ولا تحول، وقد هدى الله بفضله النوع الإنساني
النجدين، وبين له الطريقين، فمن سار على طريق الترقي والسيادة، مراعيًا سنن
الله تعالى فيهما وصل إليهما، سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، فالدين لا أثر له في عزة
الأمم ولا في ضعفها واستكانتها، والشاهد على ذلك أن جميع الدول الإسلامية اليوم
ضعيفة، ودولة اليابان الوثنية في أعلى درجات القوة والعزة، بل إن الأمم المتمدنة
تعتقد أن الدين حجاب كثيف يحول دون الارتقاء، لولا أن مزقته لما لاح لها نور
العلم بطرق السعادة، وقيد ثقيل لولا أن فكوه لما أمكنهم الإيجاف والإبضاع والتزلل
والارتفاع، ولظلوا يرسفون رسفان (مشي المقيد) من لا تزال القيود في أرجلهم،
والأغلال في أعناقهم، ومن رأي هؤلاء: أن العقبة الكبري في طريق تقدم الدول
الإسلامية هو الدين نفسه، وأنهم إذا مرقوا منه رجي لهم اتباع خطوات أوروبا
وتقدموا كما تقدمت!
من كان مبغضًا للمسلمين من هؤلاء يسجل عليهم الضعف والانحطاط، بل
يعدهم بالحِمام والموت الزؤام. ومن يحب المدافعة عنهم لأمر ما يقول: إن فيهم
قابلية للنهوض والترقي والأخذ بأساليب المدنية الجديدة التي ساد فيها غيرهم،
مستدلًّا بأن الحكومة المصرية مثلاً لا تأبى قبول أي عمل تأتيه الحكومات الأوروبية
حتى إباحة الموبقات من السفاح والسكر ونحوه، لكن الشعوب الإسلامية لجهلها لا
تجاري حكامها التي نزعت إلى الإصلاح الأوروبي، ولذلك يحكم علماؤها بكفر