الآخذين بالتمدن الأوروبي من حاكم ومحكوم، فدليل الترقي(وهو تقليد أوروبا على
رأيهم)هو عند تلك الشعوب دليل على الانحطاط والتدلي؛ لأنهم يعتقدون أن
التقدم محصور في التسمك بالدين، والجري على آثار آبائهم الأولين، فيجب على
الحكومة تعليمهم وتنبيههم ليساعدوها على الإصلاح، وإلا تعذر النجاح واستحال
الفلاح.
هذا ملخص ما يقوله فينا المتمدنون، ويكتبه في سياستنا الكاتبون، وقد اشتبه
على الدهماء منا حقه بباطله، ورأى فيه المنحرفون شبهة على بطلان الدين،
وهبوطه بالآخذين به إلى أسفل سافلين؛ لأن من المشهود الذي لا يمكن إنكاره أن
المسلمين أمسوا أفقر الأمم وأكسلها وأجهلها، ودولهم باتت أضعف الدول وأظلمها. ولا
فرق بينهم وبين جيرانهم يضاف إليه هذا التقهقر والانحطاط إلا في الدين، فلا جرم
أن الناظر في طبائع الملل يضيف ذلك إليه ويقرنه به، وإننا نكشف الغطاء عن تحقيق
الحق في المسألة لينجلي الصبح لذي عينين فنقول:
قول المسلمين: إن الدين هو الذي كان سبب سيادتهم وسعادتهم، وإن خسران
تلك السيادة والسعادة إنما جاء من الانحراف عن هديه - صحيح، وقول القائلين: إن
الله - تعالى - قد جعل لارتقاء الأمم سننًا حكيمة من سار عليها فاز ومن تنكبها خسر
مهما كان دينه - صحيح أيضًا، وقد صرحنا بمثله غير مرة(انظر العدد 15 من
المنار)وقد غالى كل فريق في رأيه، فزعم المسلمون أن الانتساب للدين فيه أسرار
غير معقولة تعطي أصحابه قوى غيبية تكون بها غلبتهم على من سواهم، وزعم
الآخرون أن الدين لا أثر له في الإسعاد، بل هو موقع لأربابه في الشقاء، فأفرط
الغالون وفرط المارقون، اغترارًا بأولى المسلمين، وآخرة الأوروبيين، ولم تخرج
سيادة المسلمين في أول نشأتهم عن نواميس الكون إلا ما أمد الله به نبيه(صلى الله
تعالى عليه وسلم)عند ضعف المسلمين ووهنهم بالمعونة الربانية زيادة عن
المحافظة على السنن العامة، وتلك سنته تعالى مع أنبيائه. ألم تر كيف كان الظفر
كاملاً والتأييد شاملاً في غزوة بدر ووقعه الأحزاب ونحوهما مع قلة المسلمين
وضعفهم، ويوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً وولوا مدبرين؟ وكيف