لولا أن الله - تعالى - قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أي: بين قومك، أو بين قوم موسى، فيما كانوا فيه مختلفين، فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك.
وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم».
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ.
والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة.
أي: وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب.
وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق.
وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله وَإِنَّهُمْ إلى قوم موسى، وفي قوله مِنْهُ إلى كتابهم التوراة.
وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى القرآن الكريم.
والذي يبدو لنا أن الرأي الأول أظهر في معنى الآية، لأن الكلام في موسى - عليه السلام وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول.
وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة.
فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قاله بعض المشركين في شأن القرآن الكريم.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب، الشاكين في صدقه، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
وقد وردت في هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة منها: قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد، إن ولما، وقد قيل في تخريجها: