فأما قوله عزّ وجلّ في صفة أهل الكتاب بأنّهم {لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} فإنّه صحيح على أصول أهل الحق خاصة، لأنّهم كفار بالله، والكافر بالله غير مؤمن به من وجه، وقول الله بأنّهم غير مؤمنين أصدق من إخبارهم عن أنفسهم بأنهم مؤمنين بالله، ولو علم أنهم مؤمنون به لما قال إنهم كافرون به، لأنّ ذلك تحيّف لهم، ووصف بغير صفتهم، ولم يقل إنّ الجاحد لنبّوة الرسل يجب كونه كافرا بالله وغير مؤمن به، لأجل إيجاب العقل ليضمن الجهل بالنبوّة لعدم العلم بالله، والإقرار بوجوده وقدمه وربوبيته، لكن لأجل ورود السمع بأنّ جاحدها كافر بالله، فصار جحد النبوة أحد الأعلام والأدلة على كفر الجاحد لها بالله، وبمثابة كون دخول الدار علامة على الكفر والإيمان إذا قال الرسول لا يدخل هذه الدار إلا مؤمن بالله وبرسوله، أو كافر بالله وبرسوله، لا لأجل تضمّن الأكوان التي هي دخول الدار لوجود الإيمان بالله أو الكفر به على ما بيناه في غير أهل الكتاب، وكل مخبر من أهل الكتاب المظهر لليهودية وغيرها من الملل، إما أن يكون جاحدا بقلبه ومظهرا بلسانه ما ليس فيه أو يكون مخبرا عن اعتقاد موطن لوجود الباري وقدمه وتوحيده، وتقليد منه في ذلك، وهو يظنّه علما، فيكون لذلك جاهلا بالله وغير مؤمن به، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولهم إنّ اليهوديّ مؤمن بالله واليوم الآخر، هذا جوابنا.
وقد أجاب قوم عن ذلك بأن قالوا إنما أراد بقوله في صفة اليهود وأهل الكتاب بعد قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا} [التوبة: 28] ، بأنهم لا يؤمنون بالله أنّ أفعالهم، أفعال من لا يؤمن بالله ويضاهون أفعالهم وطرائقهم، فيكون ذلك على طريقة التشبيه لهم بمن لا يؤمن بالله، لا على نفي الإيمان عنهم على التحقيق، كما يقول القائل: هذا الظالم الجبار لا يؤمن بالله، أي: فعله وطريقته فعل من لا يؤمن بالله على مذهب التشبيه.