ونصب"كلّ"على الظرف ، وهو اختيار الزجاج ؛ ويقال: ذهبت طريقاً وذهبت كلَّ طريق.
أو بإسقاط الخافض ؛ التقدير: في كل مَرْصد وعلى كلّ مرصد ؛ فيُجعل المرصد اسما للطريق.
وخطّأ أبو عليّ الزجاج في جعله الطريق ظرفاً وقال: الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد ؛ فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعاً ؛ كما حكى سيبويه: دخلت الشام ودخلت البيت ؛ وكما قيل:
كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ ...
الخامسة قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} أي من الشرك.
{وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} هذه الآية فيها تأمّل ؛ وذلك أن الله تعالى علّق القتل على الشرك ، ثم قال:"فَإنْ تَابُوا".
والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله ؛ وذلك يقتضي زوال القتل بمجرّد التوبة ، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ؛ ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة.
وهذا بيّن في هذا المعنى ؛ غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين ، فلا سبيل إلى إلغائهما.
نظيره قوله صلى الله عليه وسلم:"أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأُقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة ؛ فإن الزكاة حق المال.
وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
وقال ابن العربيّ: فانتظم القرآن والسنة واطردا.
ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحِلاًّ كفر ، ومن ترك السُّنَن متهاوناً فسَق ، ومن ترك النوافل لم يَحْرَج ؛ إلا أن يجحد فضلها فيكفر ، لأنه يصير رادّاً على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه.