ومع هذا فيجوز أن يكون الصدّيق رضي الله عنه حين قتل أهل الردّة بالإحراق بالنار ، وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال ، والتنكِيس في الآبار ، تعلّق بعموم الآية.
وكذلك إحراق عليّ رضي الله عنه قوماً من أهل الردّة يجوز أن يكون ميلاً إلى هذا المذهب ، واعتمادا على عموم اللفظ.
والله أعلم.
الثالثة قوله تعالى: {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} عامٌّ في كل موضع.
وخصَّ أبو حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام ؛ كما سبق في سورة"البقرة".
ثم اختلفوا ؛ قال الحسين بن الفضل: نسخت هذه كلَّ آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.
وقال الضحاك والسدّيّ وعطاء: هي منسوخة بقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} .
وأنه لا يُقتل أسير صَبْراً ، إما أن يمنّ عليه وإما أن يُفادى.
وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل.
وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان.
وهو الصحيح ، لأن المَنّ والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أوّل حرب حاربهم ، وهو يوم بدر كما سبق.
وقوله: {وَخُذُوهُمْ} يدل عليه.
والأخذ هو الأسر.
والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ على ما يراه الإمام.
ومعنى {واحصروهم} يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم ؛ إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان.
الرابعة قوله تعالى: {واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} المرصد: الموضع الذي يُرقب فيه العدوّ ؛ يقال: رصدت فلاناً أرْصُده ، أي رَقَبْته.
أي اقعدوا لهم في مواضع الغِرّة حيث يُرصَدون.
قال عامر بن الطُّفَيل:
ولقد علمت وما إخالك ناسياً ...
أن المنيّة للفتى بالمَرْصَد
وقال عِديّ:
أعاذل إن الجهل من لذة الفتى ...
وإن المنايا للنفوس بمرصد
وفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة.