إذن فقد جعلهم يعملون معه ويبنون ، وهذه أمانة القوي فيما آتاه الله تعالى من القوة ، بل إننا نجده قد تفاهم معهم رغم أن الحق تبارك وتعالى قال فيهم: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93] .
كيف تفاهم معهم؟ لعله استخدم لغة الإشارة وتحايل ليفهموا مقصده . ويدلنا القرآن على تفهمهم له أن قال الحق على لسانهم: {قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94] .
قد تَمَّ بناء السد بمعاونة هؤلاء الضعفاء ، وكان بناء هذا السد بصورة تتحدى طاقة العدوان في كل من يأجوج ومأجوج ، وقد حاول كل منهما أن يصعد فوق السد ليتغلب عليه ، ولكنه كان فوق طاقة كل منهما فلم يستطيعا اختراقه ، وهذا وضحه لنا المولى سبحانه وتعالى في قوله: {فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} [الكهف: 97] .
إذن فقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] .
أي لم يعينوا ولم يساعدوا أحداً من أعدائكم حتى يتغلب عليكم ، وسماحته سبحانه وتعالى بإتمام مدة العهد تعني أن هذه المدة كانت أكثر من أربعة أشهر . وهكذا يعطينا سبحانه جلال عدالته ، فسمح لمن كان العهد معهم أقل من أربعة أشهر ، أن يأخذوا مهلة أربعة أشهر ، والحق سبحانه لا يحب نقض العهد ؛ لذلك طلب من المؤمنين أن يعطوا المشركين الذين عاهدوهم مدة العهد ولو كانت أكثر من أربعة أشهر ؛ حتى يتعلم المؤمن أن يُوفِيَ بالعهد ما دام الطرف الآخر يحترمه . وزيادة المدة هنا ؛ أو زيادة المهلة نابعة من قوة الله تعالى وقدرته ؛ لأن كل من في الأرض غير معجزي الله ، فإن طالت المدة أو قصرت فلن تعطي المشركين ميزة ما ، فالله يستطيع أن ينالهم في أي وقت وفي أي مكان .