ونلتفت إلى قول الحق سبحانه: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] .
وهذا يدلنا على أن القوي يجب أن يعين الضعيف معونة لا تحوجه له مرة أخرى ؛ لذلك يقال: لا تعط الجائع سمكة ؛ ولكن علمه أن يصطاد السمك ليعتمد على نفسه بعد ذلك ، وهذه هي المعونة الصحيحة ، ولذلك نجد أن ذا القرنين رفض أن يأخذ مقابلا لبناء الردم ؛ لأن مهمة الأقوياء في الأرض من أصحاب الطاقة الإيمانية أن يمنعوا الظلم بلا مقابل حتى يعتدل ميزان الحياة ؛ لأن الضعيف قد لا يملك ما يدفعه للقوي . ولو أن كل قَوِيٍّ أراد ثمناً لنصرة الضعيف لاختل ميزان الكون وطغى الناس ، ولكن الأقوياء في عالمنا يريدون أن يظلموا بقوتهم ؛ لذلك يختل ميزان الكون الذي نعيش فيه . ولننظر إلى تفويض الله لذي القرنين وكيف أحسن ذو القرنين الحكم بين الناس ، وأقام العدل فيهم وكيف ترصد الظالمين ، قال القرآن الكريم على لسان ذي القرنين: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 87 - 88] .
هكذا أقام ذو القرنين العدل ، بتعذيب الظالم وتكريم المؤمن صاحب العمل الصالح .
وقول الحق سبحانه وتعالى على لسان ذي القرنين:"أعينوني"يعطينا كيفية إدارة العدل في الكون ، فذلك الذي أعطاه الله الأسباب إن أراد أن يعين الضعفاء فعليه أن يشركهم في العمل معه ، ولا يعمل هو وهم يتفرجون وإلاَّ تعودوا على الكسل فتفسد همة كل منهم . ولكن إذا جعلهم يعملون معه سيتعلمون العمل ثم يتقنونه فتزداد مهارتهم وقوتهم في مواجهة الحياة ؛ لذلك نجد أن ذا القرنين أشرك معه الضعفاء ، وقال لهم: {آتُونِي زُبَرَ الحديد} [الكهف: 96] .