فالله عزَّ وجلَّ حكيم عليم، كما أنه البر الرحيم الودود المحسن، فهو الملك الحكيم العدل، فلا تناقض حكمته رحمته، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته.
وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته كما قال سبحانه: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) } [القلم: 35] .
وقد فطر الله قلوب العباد على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان، وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام موضع العقوبة والانتقام.
فما بال بعض العقول والفطر لا تشهد حكمة الرب البالغة، وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها، وأحقها بالعقوبة، وهم الكفار الذين كفروا بالله ونعمه ودينه، والمشركون الذين أشركوا مع الله غيره من خلقه.
فهذه المحال لو أوليت النعم لم تحسن بها ولم تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة.
فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعداء الله الصادين عن سبيله .. الساعين في خلاف مرضاته .. الذين يعطلون ما حكم به .. ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره .. والحكم لغيره .. والطاعة لغيره.
والذين يحبون ما يبغض الله ويدعون إليه .. ويبغضون ما يحب الله، وينفِّرون الناس عنه .. ويوالون أعداءه وأبغض الخلق ويظاهرونهم على الله وعلى رسوله كما قال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) } [الفرقان: 55] .
10 -فقه العزة
قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) } [فاطر: 10] .
وقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون: 8] .