فهو سبحانه حكيم خبير، لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته، بقدر ما تقتضيه حكمته: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) } [الشورى: 27] .
ولو علم الله في الكفار خيراً وقبولاً لنعمة الإيمان، وشكراً له عليها، ومحبة لها، واعترافاً بها، لهداهم إلى الإيمان.
ولهذا لما قالوا للمؤمنين: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟. فأجابهم الله بقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام: 53] .
فالله سبحانه ما أعطى إلا بحكمته، ولا منع إلا بحكمته، ولا هدى إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته.
الثالثة: أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر واضحاً جلياً.
والفراسة: نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، يفرق به بين الحق والباطل، والمؤمن والمنافق، والصادق والكاذب.
والفراسة على حسب الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدُّ فراسة، ومن غضّ بصره عن الحرام، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وظاهره باتباع السنة، ولسانه بدوام ذكر الله، وتعود أكل الحلال، واجتنب الحرام، لم تكد تخطئ له فراسة.
وللفراسة سببان:
أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.
الثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه.
فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر، كانت فراسته بين بين.
والحكمة في القرآن وردت على عدة أوجه:
الأول: صفة من صفات الله عزَّ وجلَّ، والمراد بها إيجاد الأشياء على غاية الأحكام والدقة كما قال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } [آل عمران: 18] .
الثاني: القرآن الكريم كما قال سبحانه: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) } [يس: 1،2] .