الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك ديناً، ولا يقطع عليك طريقاً، ولا يفسد عليك وقتاً، كأن تطعمهم وتجوع، وتسقيهم وتظمأ، وتريحهم وتتعب، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب ما لا يجوز في الدين، ولا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك لربك، ومثل أن يؤثر بوقته غير ربه.
فكل سبب يعود على الإنسان بصلاح قلبه ووقته وحاله مع الله فلا يؤثر به أحداً من الناس، فإن آثر به فإنما يؤثر الشيطان على الله، وهو لا يعلم.
الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، ولو غضب الخلق كلهم، وهي درجة الأنبياء والمرسلين، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا - صلى الله عليه وسلم - فإنه قاوم العالم كله، وتجرد للدعوة إلى الله، واحتمل عداوة القريب والبعيد في الله.
وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولم يأخذه في إيثار رضا ربه لومة
لائم حتى أظهر الله دينه.
وقد جرت سنة الله التي لا تتبدل أن من آثر مرضاة الله على مرضاة الخلق، أن يرضى الله عنه، ويرضى عنه الخلق، فتنقلب مخاوفه أماناً، وتعبه راحة، وبليته نعمة.
ومن آثر مرضاة الخلق على مرضاة ربه أن يسخط الله عليه، ويسخط عليه الناس، خاصة من آثر رضاه من الناس، ويخذله من جهته، ويجعل محنته على يديه.
فيعود حامده ذاماً، ومن آثر مرضاته مساخطاً، وتلك سنة الله.
ورضا الخلق لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور فهو مستحيل، فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله عنك أحسن لك من أن يرضوا عنك، والله غير راض عنك، وكل من آثر رضا الله فلا بدَّ أن يعاديه أراذل العالم وجهالهم، وأهل البدع والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة، وكل من يخالف هديُه هديَه.
الثالثة: أن ينسب العبد إيثاره إلى الله دون نفسه، وأنه سبحانه هو الذي تفرد بالإيثار دون الإنسان، فهو المؤثر حقيقة، إذ هو المعطي حقيقة، والمالك لكل شيء، والمعين لكل أحد.
والناس صنفان:
منهم من يؤثر الدنيا على الآخرة، ويختار نعيمها المنغص المكدر على نعيم الآخرة، وهم الكفار.
ومن يؤثر الآخرة على الدنيا، ويؤثر نعيمها وسرورها الدائم الكامل على نعيم الدنيا الناقص الزائل، وهم المؤمنون.