ولا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون كما قال سبحانه: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) } [الأعراف: 99] .
وحد الرجاء ما طيب لك العبادة، وحملك على السير.
وأما ضبط السرور فلا يقدر عليه إلا الأقوياء الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم، ولا تضعفهم الضراء فتغلب صبرهم.
الدرجة الثانية: الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض، والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط، ومن السرور إلى المشاهدة، فيقبض نفسه عن كل ما يسبب له العقوبة، ويطمئن إلى رحمة ربه، ويأنس به ويناجيه كأنه يراه بجلاله وجماله وكماله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد: 28] .
الدرجة الثالثة: معرفة الأدب، فإذا عرفه وصار له حالاً نسبه إلى ربه دون نفسه، ويغني عن نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه، وشهود منته، وهو الله عزَّ وجلَّ كما قال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) } [النحل: 53،54] .
والانبساط: إرسال سجية النفس مع الغير، وإزالة الوحشة الواقعة بين العبد ومن يحب بالانبساط إليه.
والانبساط إلى الخلق يكون بألا يعتزلهم ضناً على نفسه، أو شحاً على حظه، بل تحمله السماحة والجود على ترك العزلة، ومجالسة إخوانه، وانتفاعهم بمجالسته، ويؤثرهم على نفسه، فينالون من فضله.
وليسعهم بخلقه باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة، ويوقرهم بلينه وتواضعه، ويخفض لهم جناحه، بحيث لا يترك لنفسه بينهم مرتبة يحترمونه من أجلها، مع حفظ حاله وقلبه مع الله.
والانبساط مع الحق سبحانه هو ألا يمنعك عن الانبساط إليه خوف، والبسط يأتي من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان، والتودد والرحمة.
والقبض يأتي من مشاهدة أوصاف الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام.