فإن غلبت على الإنسان صفات القوة والشجاعة والعزة فسيجأر الناس إلى الله من عدوانه وجبروته وتكبره .. وإن غلبت عليه صفات العفو والسماحة والسكينة ربما رأى فيه الناس الذلة والمسكنة .. وإن غلبت عليه صفات الجرأة والصراحة والنصيحة ربما شَكَوا من سوء أدبه، وقلة احترامه.
فالأخلاق الإسلامية مع كمالها متوازنة تدعو إلى العزة والتواضع كما تدعو إلى الانتصار والعفو.
والأخلاق نوعان:
منها ما هو طبيعة وجبلة يتفضل الله بها على بعض خلقه، فيجبلهم عليها من غير كسب منهم ولا جهد كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُّحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» أخرجه مسلم.
فمثل هذا فضل من الله ومنة على من أوتيها، ومن لم يؤتها مكلف بمجاهدة نفسه حتى يحصل عليها، وتصبح له خلقاً مكتسباً بعد الترويض والمجاهدة، وتنقلب مع الزمن إلى طبع ثابت وخلق أصيل، فهذا هو النوع الثاني وهو المكتسب الذي يحصل بالتخلق والتكلف حتى يصير ملكة وسجية، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ
اللهُ وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفق عليه.
فبالتسامح يصبح سمحاً، وبالتورع يصبح ورعاً .. وهكذا في باقي الأخلاق اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
والأخلاق الإسلامية تؤخذ بالتأسي والاقتداء بأهل الأخلاق الفاضلة، وهكذا تتوارث الأجيال الأخلاق العالية بالنظر إلى أخلاق القرون الأولى، ويتوارث الأفراد مكارم الأخلاق بالاقتداء والتأسي بأحاسنهم أخلاقاً.
ولذلك فإن الله لم ينزل كتبه إلا وأرسل معها العامل بها، القائم عليها من رسله، المتمثل لأوامرها، والمتخلق بأخلاقها، ليقتدي به الناس، ويتأسون به، خاصة أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كان خلقه القرآن، وأثنى عليه ربه بكمال خلقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم: 4] .