فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 179778 من 466147

وَأَمَّا الْمُيَاسَرَةِ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَفْوُ عَنْ الْهَفَوَاتِ، وَالثَّانِي الْمُسَامَحَةُ فِي الْحُقُوقِ.

فَأَمَّا الْعَفْوُ عَنْ الْهَفَوَاتِ: فَلِأَنَّهُ لَا مُبَرَّأَ مِنْ سَهْوٍ وَزَلَلٍ، وَلَا سَلِيمَ مِنْ نَقْصٍ أَوْ خَلَلٍ، وَمَنْ رَامَ سَلِيمًا مِنْ هَفْوَةٍ، وَالْتَمَسَ بَرِيئًا مِنْ نَبْوَةٍ، فَقَدْ تَعَدَّى عَلَى الدَّهْرِ بِشَطَطِهِ، وَخَادَعَ نَفْسَهُ بِغَلَطِهِ، وَكَانَ مِنْ وُجُودِ بُغْيَتِهِ بَعِيدًا وَصَارَ بِاقْتِرَاحِهِ فَرْدًا وَحِيدًا.

وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لَا صَدِيقَ لِمَنْ أَرَادَ صَدِيقًا لَا عَيْبَ فِيهِ.

وَقِيلَ لِأَنُوشِرْوَانَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ لَا عَيْبَ فِيهِ؟ قَالَ: مَنْ لَا مَوْتَ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الدَّهْرِ لَا يُوجِدُهُ مَا طَلَبَ، وَلَا يُنِيلُهُ مَا أَحَبَّ، وَكَانَ الْوَحِيدُ فِي النَّاسِ مَرْفُوضًا قَصِيًّا، وَالْمُنْقَطِعُ عَنْهُمْ وَحْشِيًّا، لَزِمَهُ مُسَاعِدَةُ زَمَانِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَمُيَاسَرَةُ إخْوَانِهِ فِي الصَّفْحِ وَالْإِغْضَاءِ.

رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ» .

وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا تَجْتَمِعُ إلَّا فِي كَرِيمٍ: حُسْنُ الْمَحْضَرِ وَاحْتِمَالُ الزَّلَّةِ وَقِلَّةُ الْمَلَالِ.

وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:

فَعُذْرُك مَبْسُوطٌ لِذَنْبٍ مُقَدَّمٍ ... وَوُدُّك مَقْبُولٌ بِأَهْلٍ وَمَرْحَبِ

وَلَوْ بَلَّغَتْنِي عَنْكَ أُذْنِي أَقَمْتُهَا ... لَدَيَّ مَقَامَ الْكَاشِحِ الْمُتَكَذِّبِ

فَلَسْتُ بِتَقْلِيبِ اللِّسَانِ مُصَارِمًا ... خَلِيلًا إذَا مَا الْقَلْبُ لَمْ يَتَقَلَّبْ

وَإِذَا كَانَ الْإِغْضَاءُ حَتْمًا وَالصَّفْحُ كَرَمًا تَرَتَّبَ بِحَسَبِ الْهَفْوَةِ وَتَنَزَّلُ بِقَدْرِ الذَّنْبِ.

وَالْهَفَوَاتُ نَوْعَانِ: صَغَائِرُ وَكَبَائِرُ. فَالصَّغَائِرُ مَغْفُورَةٌ، وَالنُّفُوسُ بِهَا مَعْذُورَةٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَعَ أَطْوَارِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَخْلَاقِهِمْ الْمُتَفَاضِلَةِ، لَا يَسْلَمُونَ مِنْهَا. فَكَانَ الْوَجْدُ فِيهَا مُطَّرَحًا، وَالْعَتْبُ مُسْتَقْبَحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت