الْأَصْلُ الثَّالِثُ: الْإِعْرَاضُ عَنِ الْجَاهِلِينَ ، وَهُمُ السُّفَهَاءُ ، بِتَرْكِ مُعَاشَرَتِهِمْ وَعَدَمِ مُمَارَاتِهِمْ ، وَلَا عِلَاجَ أَوْقَى لِأَذَاهُمْ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ ، وَشَرُّهُمْ فِي هَذَا الْعَصْرِ مُرْتَزِقَةُ صُحُفِ الْأَخْبَارِ الْمُنْتَشِرَةِ ، فَإِنَّ سُفَهَاءَهَا هُمْ شَرٌّ مِنْ سُفَهَاءِ الشُّعَرَاءِ فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ قَلَّ سَفَهُ الشُّعَرَاءِ فِي عَصْرِنَا هَذَا فَلَا أَعْرِفُ لِشَاعِرٍ مَشْهُورٍ
مِنَ الْقَذْعِ وَالْبَذَاءِ فِي الْهَجْوِ شَيْئًا مِمَّا نَعْهَدُ فِي الصُّحُفِ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالسَّاقِطَةِ ، وَكَمْ مِنْ صَحِيفَةٍ قَائِمَةٍ نَاهِضَةٍ بِالثَّرْوَةِ ، شَرٌّ مِنْ سَاقِطَةٍ بِالْقِلَّةِ .
وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنِ السُّفَهَاءِ; لِأَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ الْحَقَّ إِذَا فَقَدُوهُ ، وَلَا يَأْخُذُونَ فِيمَا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ إِذَا وَجَدُوهُ ، وَلَا يَرْعَوْنَ عَهْدًا ، وَلَا يَحْفَظُونَ وُدًّا ، وَلَا يَشْكُرُونَ مِنَ النِّعْمَةِ إِلَّا مَا اتَّصَلَ مَدَدُهُ ، فَإِذَا انْقَطَعَ عَادَ الشُّكْرُ كُفْرًا ، وَاسْتَحَالَ الْمَدْحُ ذَمًّا .