وَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفِرُوا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِّرُّوا وَلَا تُعَسِّرُوا قَالَ:
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ... وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ
وَقِيلَ: خُذِ الْفَضْلَ وَمَا تَسَهَّلَ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الزَّكَاةِ . فَلَمَّا نَزَّلَتْ أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا . اهـ . نَقُولُ: وَبَقِيَتِ الْآيَةُ مُحْكَمَةً فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَفْوَ يَشْمَلُ هَذَا وَذَاكَ ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مِنْ أُصُولِ آدَابِ هَذَا الدِّينِ وَقَوَاعِدِ شَرْعِهِ الْيُسْرَ وَتَجَنُّبَ الْحَرَجِ وَمَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَقَدْ خَالَفَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْأَسَاسِيَّةَ أَهْلُ الْفِقْهِ الْمَقْلُوبِ ، فَجَعَلُوا الْعُسْرَ وَالْحَرَجَ مِنْ أَهَمِّ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَأُصُولِ الشَّرْعِ فِعْلًا لَا تَسْمِيَةً ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْأَحَادِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا"وَتَرَى هَؤُلَاءِ لَا يُخَيَّرُ أَحَدُهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَعَسْرَهُمَا ، وَلَا سِيَّمَا الْعُسْرُ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا ، وَأَمَّا فَتَاوَى الْأَفْرَادِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ فِيهَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ: نَحْنُ مَعَ الدَّرَاهِمِ قِلَّةً وَكَثْرَةً ! يَعْنِي: فِي الْفَتْوَى بِأَحَدِهِمَا ."