ولما صادوا السمك يوم السبت بحيلة حجزه وراء حواجز يوم الجمعة، افترقت القرية أثلاثا: ثلث صادوا معهم، وثلث نهوهم، وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي.
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ معطوف على إِذْ قبله، والأمة منهم: الجماعة منهم وهي التي لم تصد ولم تنه كمن نهى قالُوا: مَعْذِرَةً أي موعظتنا معذرة نعتذر بها إلى الله، لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي، أي قياما منا بعذر أنفسنا عند ربنا بقصد التنصل من الذنب وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الصيد.
فَلَمَّا نَسُوا تركوا ما ذُكِّرُوا بِهِ وعظوا به، أي تركوه ترك الناس، وأعرضوا عنه إعراضا تاما، فلم يرجعوا عن المخالفة السُّوءِ العمل الذي تسوء عاقبته بَئِيسٍ شديد، مأخوذ من البأس وهو الشدة، أو من البؤس وهو المكروه يَفْسُقُونَ يخرجون عن الطاعة.
عَتَوْا تكبروا عن ترك ما نهوا عنه خاسِئِينَ صاغرين. أما الفرقة الساكتة فقال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة. وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه، وقالت:
لِمَ تَعِظُونَ؟ وروى الحاكم عن ابن عباس: أنه رجع إلى قول عكرمة وأعجبه.
المناسبة:
تذكر الآيات نوعا آخر من مخالفات اليهود وعصيانهم، فبعد أن ذكرت قصتهم في دخول القرية، ذكرت قصة احتيالهم على صيد الأسماك. وقد ذكرت
هذه القصة في سورة البقرة إجمالا في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [65] وأشير إليها في سورة النساء أيضا في الآيتين [47، 154] . وذكرت قبل ذلك هنا في سورة الأعراف التي نزلت بمكة قبل ملاقاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أحدا من اليهود، للدلالة على الإعجاز لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان رجلا أميا، لم يتعلم علما، ولم يطالع كتابا، فإخباره بالقصة معجز، ودليل على أن ذلك من إخبار الله وكلامه.
وهناك فائدة أخرى من إيراد القصة: وهو التنبيه على أن الكفر بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وبمعجزاته ليس شيئا جديدا حادثا في هذا الزمان، وإنما كان الكفر والإصرار حاصلا في أسلافهم من الزمان القديم.
أضواء من التاريخ على القصة: