الربط: هذه الآية الكريمة متصلة بالآيات السابقة التي سجلت على بنى إِسرائيل عنادهم وكفرهم بعد ما رأَوا الآيات، وبعد أَن حقق الله لهم كثيرًا من الرغبات التي كانت تقتضي منهم الإيمان والشكر، بدلا مما هم عليه من العصيان والكفر، وقد كان مما طلبوا أَن يأْتيهم نبي الله موسى بكتاب من عند الله، فيه بيان للتشريعات، وتوضيح لمعالم الحلال والحرام، وقد جاءَهم موسى بالتوراة مكتوبة في الأَلواح، قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} .
فلما قرأَ عليهم التوراة، بادروا نبيهم بأَن ما فيها لا يتحملونه, لأنه إِصر وحمل ثقيل عليهم لا يطيقونه، وكان هذا منهم عنادًا, فحملهم الله على العمل بما في التوراة بعد أَن لم يجد معهم اللين، بأَن نتق الجبل فوقهم ورفعه رفعا حقيقيا كأَنه ظُلَّة.
المعنى:
واذكر يا محمَّد وقت أَن رفعنا الجبل فوق بنى إِسرائيل فظللهم وتيقنوا أَنه واقع بهم وساقط عليهم لعدم ثبات الأَجسام الثقيلة في الفضاءِ، وقلنا لهم في هذه الحالة المخيفة تقبلوا ما فرضناه عليكم في التوراة، وخذوه بجد وعزيمة وصدق، {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : أَي تدارسوا تعاليمه وأَحكامه واذكروها، واعملوا بما فيها حتى لا تنسوها فإِن الدراسة والعمل تجعل كتابكم غير منسي ولا متروك, وفي دراسته على هذا النحو تطهير لقلوبكم وتزكية لنفوسكم وسلوك بكم سبيل الوصول إِلى درجة المتقين.
وقد يقال: إِن إِيمانهم بعد رفع الجبل فوقهم حاصل بالإِلجاءِ والإِكراه وهو مناف للإِيمان الصادق, لأَنه إِنما يكون بالاختيار.
ويردُّ على ذلك بأَن الله قد ترك لهم فرصة الاختيار مدة كافية قبل رفع الجبل، ولم يؤمنوا لقسوة قلوبهم، فكان هذا الإِلجاء في آخر أَمرهم بمنزلة جهاد الكافرين والمشركين بعد أَن وجهت الدعوة إِليهم ليؤمنوا اختيارًا فأعرضوا وفي كلا الأَمرين مصلحة لهم. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ..