{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} ؛ أي: ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل، وازدادت حسرتهم على ما فرط منهم في جنب الله تعالى، وتحيروا بعد عود موسى من الميقات {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} ؛ أي: وعلموا أنّهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل {قالُوا} ؛ أي: قال بعضهم لبعض: إن ذنبنا لعظيم، وإن جرمنا لكبير، وإنّه لن يسعهم بعد هذا الذنب إلا رحمة الله التي وسعت كل شيء و {لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا} بقبول توبتنا {وَيَغْفِرْ لَنا} بالتجاوز عن جريمتنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} ؛ أي: من الذين خسروا سعادة الدنيا - وهي الحرية والاستقلال في أرض الموعد - وخسروا سعادة الآخرة وهي دار الكرامة والنعيم المقيم وجنات النعيم.
149 -وفي «الفتوحات» قوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} هذا كناية عن الندم، ومعلوم أنّ الندم متأخر عن علمهم بالخطأ، فتقديمه على الرؤية للمسارعة إلى بيانه، والإشعار بغاية سرعته، حتى كأنّه سابق على الرؤية. اهـ «أبو السعود» .
{وسُقِطَ} فعل ماض مبني للمجهول، وأصل الكلام: سقطت أفواههم على أيديهم، ففي بمعنى على، وذلك من شدة الندم، فإن العادة أنّ الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم،
فأطلق اسم اللازم، وأريد الملزوم على سبيل الكناية، وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن الكريم.
وقرأ ابن أبي عبلة: {أسقط في أيديهم} رباعيا مبنيا للمفعول، وقرأ ابن السميفع {سقط في أيديهم} مبنيا للفاعل، وفاعله مضمر؛ أي: الندم، هذا قول الزجاج، وقال الزمخشري: سقط العض، وقال ابن عطية: سقط الخسران والخيبة. وكل هذه أمثلة، ذكره في «الفتوحات» .