وقرأ الكسائي وحمزة: {مِنْ حُلِيِّهِمْ} بكسر الحاء، إتباعا لحركة اللام، كما قالوا: عصي، وهي قراءة أصحاب عبد الله ويحيى بن وثاب، وطلحة والأعمش، وقرأ باقي السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة بضم الحاء، وهو جمع نحو: ثدي وثديّ، وقرأ يعقوب: مِنْ حُلِيِّهِمْ بفتح الحاء وسكون اللام وهو مفرد، ويراد به الجنس، أو اسم جنس مفرده حلية، كثمر وثمرة، وأضيفت الحلي إليهم لأنّهم ملكوها غنيمة لما غرق قوم فرعون، أو أضيفت إليهم وإن كانت لغيرهم تجوزا لأدنى ملابسة.
وقرأ علي وأبو السمال وفرقة {جؤار} بالجيم والهمز، من جار إذا صاح بشدة صوت. فرد الله عليهم ضلالاتهم، وأبان لهم فساد آرائهم، وقرعهم على جهالاتهم فقال: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ} والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ؛ أي: ألم يعلم قوم موسى أنّ هذا العجل لا يكلمهم بشيء {وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} ؛ أي: طريقا توصلهم إلى مصالحهم وسعادتهم بوجه من الوجوه.
أي: ألم يروا أنّه فاقد لما يعرف به الإله الحق من تكليمه لمن يختاره من البشر لرسالته، لتعليم عباده ما يجب عليهم معرفته من صفاته، وسبيل عبادته، كما كلم رب العالمين موسى عليه السلام، وألقى إليه الألواح التي فيها من الشرائع ما يزكي النفوس، وتقوم بها مصالح العباد، وعليها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم.
وخلاصة ذلك: أنّه فاقد لأهم صفة من صفات الإله الحق، وهي صفة الهداية والإرشاد للعباد، بإرسال الرسل الذين يختارهم إلى الناس، ومرجعها صفة الكلام، ثم أكد ما سلف وقرره بقوله: {اتَّخَذُوهُ} أي: اتخذوا ذلك العجل إلها وعبدوه {وَكانُوا ظالِمِينَ} لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة العجل.
أي: إنهم لم يتخذوه عن دليل وبرهان، بل اتخذوه عن تقليد للمصريين، إذ رأوهم يعبدون العجل - أبيس - من قبل، وعن تقليد لما رأوه من العاكفين على أصنام لهم من بعد، فعبدوه مثلهم،