وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - والشعبي وابن وثاب، والجحدري وابن مصرف، والأعمش وأيوب: بالخطاب في {ترحمنا وتغفر لنا} ونصب {ربنا} على النداء حكاية لدعائهم، وفاعل الفعلين مستتر؛ أي: لئن لم تغفر أنت يا ربنا. وقرأ باقي السبعة ومجاهد والحسن والأعرج، وأبو جعفر وشيبة بن نصاح وغيرهم: {يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا} بالياء فيهما، ورفع {رَبُّنا} على الفاعلية حكاية لأخبارهم فيما بينهم؛ أي: قال بعضهم لبعض: لئن يرحمنا ربنا ويغفر لنا، وفي مصحف أبي: {قالوا ربنا لئن ترحمنا وتغفر لنا} بتقديم المنادى، وهو {ربنا} وفي قولهم: {رَبُّنا} استعطاف حسن إذ الرب هو المالك الناظر في أمر عبيده، والمصلح منهم ما فسد.
150 - {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى} عليه السلام من مناجاته لربه في جبل الطور {إِلى قَوْمِهِ} بني إسرائيل حالة كونه {غَضْبانَ} على أخيه هارون، إذ رأى أنّه لم يكن فيهم صلب الرأي، قوي الشكيمة، نافذ الكلمة {أَسِفًا} ؛ أي: حزينا لما فعله قومه من عبادة غير الله تعالى، وكان قد أخبره الله تعالى بذلك قبل رجوعه كما سيأتي في سورة طه: {قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) } فقوله: {غَضْبانَ أَسِفًا} حالان من موسى، وذكر جواب لما بقوله {قالَ} موسى لهم {بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي} ؛ أي: بئس وقبح خلافة خلفتمونيها {مِنْ بَعْدِي} ؛ أي: من بعد ذهابي عنكم إلى مناجاة ربي، وقد كنت لقنتكم التوحيد، وكففتكم عن الشرك، وبينت لكم فساده وسوء عاقبته، وحذرتكم صنيع القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم من تماثيل البقر.
وقد كان من الحق عليكم أن تقتفوا أثري وتتبعوا سيرتي، بيد أنّكم سلكتم ضد ذلك، فصنعتم صنما كأحد أصنامهم، فعبده بعضكم، ولم يردعكم عن ذلك باقيكم {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ، قال صاحب «الكشاف» : المعنى: أعجلتم عن أمر ربكم - وهو انتظار موسى - حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره، ولم أرجع إليكم فحدثتكم أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.