وعبارة «المراح» هنا قوله: {بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي} ؛ أي: بئسما قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعد انطلاقي إلى الجبل، وهذا الخطاب إما لعبدة العجل - السامري وأشياعه - أي: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله تعالى، وإما لهارون والمؤمنين معه؛ أي: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم هذه {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} ؛ أي: أعجلتم وعد ربكم من الأربعين، فلم تصبروا له، وذلك أنّهم قدروا أن موسى لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة قد مات.
{وَأَلْقَى} موسى {الْأَلْواحَ} ؛ أي: ألواح التوراة التي جاء بها؛ أي: وضعها في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه، فلما فرغ من مكالمتهم عاد إليها فأخذها؛ أي: طرحها من يديه {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} ؛ أي: بشعر رأس هارون بيمينه ولحيته بشماله حالة كونه {يَجُرُّهُ} ؛ أي: يجر هارون {إِلَيْهِ} ؛ أي: إلى نفسه بذؤابته لا على سبيل الإهانة، بل ليستكشف منه كيفية تلك الواقعة، ظنا منه أنه قد قصر في ردعهم وتأنيبهم، وكفهم عن عبادة العجل، كما فعل هو بتحريقه وإلقائه في اليم إن قدر، أو أن يتبعه إلى جبل الطور إن لم يستطع، كما حكى الله تعالى عنه في سورة طه {يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) } ولا شك أنّ سياسة الأمم تختلف باختلاف أحوال رعاتها وسائسيها،
فالقوي منهم الشديد الغضب للحق كموسى، يشعر بما لا يشعر به من يغلب عليه الحلم ولين العريكة كهارون عليه السلام.
ثم ذكر سبحانه جواب هارون لموسى فقال: {قالَ} هارون لموسى {ابْنَ أُمَّ} ؛ أي: يا ابن أمي لا تعجل بلومي وتعنيفي، ولا تظنن تقصيري في جنب الله تعالى، فإنّي لم آل جهدا في الإنكار على القوم والنصح لهم {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} ؛ أي: ولكن القوم قد وجدوني واعتقدوني ضعيفا، ولم يرعووا لنصحي، ولم يمتثلوا لأمري {وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي} ؛ أي: بل وأوشكوا وقاربوا أن يقتلونني لأنّي نهيتهم عن عبادة العجل.