أقمأهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل.
وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية في كل قطر من أقطار الأرض في الذلّة المضروبة عليهم والعذاب والصغار يسلمون الجزية لحقن دمائهم ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار.
وعن ابن عباس قال: يسومهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته سوء العذاب أي الجزية والخراج، وقيل هو بختنصر وسنحاريب وملوك الروم، وهذا نص في أن العذاب، إنما يحصل لهم مستمراً إلى يوم القيامة، ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة وأخذ الجزية منهم فإذا أفضوا إلى الآخرة كان عذابهم أشد وأعظم .
ثم علل ذلك بقوله: (إن ربك لسريع العقاب) لمن أقام على الكفر يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء (وإنه لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لمن آمن منهم ودخل في دين الإسلام.
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)
(وقطعناهم في الأرض أمماً) أي فرقناهم في جوانبها أو شتتنا أمرهم فلم تجتمع لهم كلمة، قال ابن عباس: هم اليهود بسطهم الله في الأرض فليس فيها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة، وقيل المعنى وجعلنا كل فرقة منهم في قطر بحيث لا تخلو ناحية من الأرض منهم حتى لا تكون لهم شوكة، قاله أبو السعود فلا توجد بلدة كلها يهود، ولا لهم قلعة ولا سلطان بل هم متفرقون في كل الأماكن.
(منهم الصالحون) قيل: هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدل، قال الطبري: وصفهم بذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وكفرهم بربهم ويدل له قوله الآتي: فخلف من بعدهم خلف، وقيل: هم الذين سكنوا وراء الصين ولا يصح كما تقدم بيانه.