ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله:"يُقيم لك الرب نبياً ومن وسط إخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبتُ من الرب في حُوريب (أي جبل الطور حين المناجاة) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به"فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله:"من وسط أخوتك"فإن الخطاب لبني إسرائيل ، ولا يكونون إخوة لأنفسهم.
وإخوتُهم هم أبناء أخي أبيهم: إسماعيل أخي إسحاق ، وهم العرب ، ولو كان المراد به نبيئاً من بني إسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم ، وعُلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله:"مثلك"فإن موسى كان نبياً رسولاً ، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله: {للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} إلخ.
ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول ، وعبروا عنه بالنبي ، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل ، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك ، وحذفوا وصف الأمي ، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي ، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه"غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود".
فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقيناً فهم آمنوا به ، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به ، لأنهم استعدوا لذلك ، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل ، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي.